على بالي

سخِرَ كثيرٌ من المثقّفين العرب، وحتّى في صفوف منظّمة التحرير، مِن الحديث في زمن غابر عن الإمبراطوريّة الإسرائيليّة. الفكرة أنّ إسرائيل ليست مشروعاً مرتبطاً بحدود مرسومة ومحدّدة تقف الطموحات السياسيّة والعسكريّة الصهيونيّة عندها، بل إنّه لا يمكن لها أن تعتاش وأن تستمرّ إلّا كمشروع توسّعي مُتمَدِّد لا يعترف بحدود. الحديث عن أنّ إسرائيل لم تكن يوماً دولة تُحدِّد حدودها أو تُرسِّمها، لم يكن من باب البيان السياسي. تستطيع إسرائيل أن تستمرّ في وسط معادٍ (شعبيّاً) لها عبر الاستثمار في التخريب في المنطقة وتوسيع نفوذ الصهيونيّة بالتعاون مع الشريك الأميركي. إسرائيل لها يدٌ طولى في الصراع في ليبيا والصومال وأثيوبيا والسودان (رعت تقسيمه بين شمال وجنوب وهي تسعى إلى تقسيم الشمال إلى قسمَيْن بالتعاون مع النظام الإماراتي) واليمن ولبنان والعراق وسوريا وإيران. تبدّد حلم الوحدة العربيّة في القرن العشرين وبدلاً منه عاصرْنا المزيد من التفتيت والتجزئة العربيّة وبمشاركة نشِطة من إسرائيل (تلقّت كلّ حركة انفصالية في العالم العربي دعماً وتسليحاً من إسرائيل). إسرائيل هي الإمبراطوريّة التي تبتلع العالم العربي. هي مُشارِكة مع السعودية والإمارات في السيطرة على الجامعة العربيّة. الأمانة العامة للجامعة العربيّة استنكرت قبل أيام تصريحات إيرانية تحذّر من مؤامرات، فيما لزمت الصمت حول القصف والاحتلال الإسرائيلي في سوريا. لا ضرورة كي تكون الإمبراطوريّة الإسرائيليّة جغرافيّةً أو توراتيّةً بقدر ما تكون دولة الأمن القومي الصهيوني المرتبط بهيمنة الإمبراطوريّة الأميركيّة. سَخِر مثقّفون عرب في 1967 عندما صرّح عبد الناصر أنّه أدرك أنّه كان يحارب أميركا. وها نحن في 2024 نرى بأم العَيْن أنّ أميركا شريكة بالكامل لإسرائيل في الإبادة والعدوان. تتذكّرون خديعة «المرفأ الإنساني» على شاطئ غزة؟ تفكّكَ بعدما أنهى مهمّته العسكريّة والاستخباراتيّة وأسهم في نقل جنود أميركيّين للمشاركة في الإبادة من دون تقديم عون إنساني يُذكر للشعب الفلسطيني. إسرائيل لا يمكن أن تستمرّ من دون إخضاع شعوب العرب، ويتحقّق الإخضاع عبر ترتيب رعاية أميركيّة عسكرية أو ماليّة لنُظم الاستبداد المُتعاونة مع إسرائيل.
